عبد الكريم الخطيب
310
التفسير القرآنى للقرآن
وإن القوم لعلى ما هم عليه من فساد طوية واعتلال نية . . فخرجوا عن أمر نبيهم ، وشربوا من النهر وعبّوا ، إلا قليلا منهم ممن عافاه اللّه من هذه المحنة ، فتجنّب النهر ولم يشرب منه ! وقد اعتزل طالوت أولئك الذين شربوا ، وخلص بالذين لم يشربوا أو اغترفوا غرفة بأيديهم . . وحين رأى القوم عدوّهم يقودهم قائدهم الجبار « جالوت » فزعوا واضطربوا وقالوا : « لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ » ولكن قلة قليلة منهم ممن آمن باللّه ، ووثق بما أعده في الآخرة لعباده المؤمنين ، فآثروا الآخرة على الدنيا ، وزهدوا بما في أيديهم طمعا بما في يد اللّه - هؤلاء لم يلتفوا إلى ما وراءهم من أهل وولد ومال ، ولم يخفهم الموت الراصد لهم في يد أعدائهم ، فلم يهابوا العدوّ وكثرته وقوته ، وأطمعهم هذا الشعور في عدوّهم ، ورأوا أنهم في قلتهم المؤمنة الصابرة أقوى من عدوّهم الذي لا يؤمن باللّه ولا يصبر على المكروه ، إلا طمعا في مغانم الدنيا ومتاعها . . وإذ قال غيرهم : « لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ » قالوا هم : « كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » . الآيتان : ( 250 - 251 ) [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 250 إلى 251 ] وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 250 ) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( 251 )